الشنقيطي

10

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يطاف بهن عليهم ، قاله الفخر الرازي وغيره ، وهو تقسيم لا دليل عليه ، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب ، فأظهرها الخفض بالمجاورة ، كما ذكرنا . وكلام الفراء وقطرب ، يدل عليه ، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) [ الواقعة : 17 ] ، في قراءة الرفع ، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان ، والقصر في الخيام ينافي ذلك . وممن جزم بأن خفض وَأَرْجُلَكُمْ لمجاورة المخفوض البيهقي في [ السنن الكبرى ] ، فإنه قال ما نصه : باب قراءة من قرأ وَأَرْجُلَكُمْ نصبا ، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضا ، فإنما هو للمجاورة ، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس ، وعلي ، وعبد اللّه بن مسعود ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد اللّه بن عمرو بن غيلان ، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ ، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم : وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب . قال : وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصبا ، وعن عبد اللّه بن عامر اليحصبي ، وعن عاصم برواية حفص ، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى ، وعن الكسائي ، كل هؤلاء نصبوها . ومن خفضها فإنما هو للمجاورة ، قال الأعمش : كانوا يقرأونها بالخفض ، وكانوا يغسلون ، ا ه كلام البيهقي « 1 » . ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ( 84 ) [ هود : 84 ] بخفض مُحِيطٍ مع أنه نعت للعذاب . وقوله تعالى : عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 ) [ هود : 26 ] ، ومما يدلّ أن النعت للعذاب ، وقد خفض للمجاورة ، كثرة ورود الألم في القرآن نعتا للعذاب . وقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج : 21 - 22 ] على قراءة من قرأ بخفض مَحْفُوظٍ كما قاله القرطبي ومن كلام العرب « هذا حجر ضبّ خرب » بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ ؛ وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحنا لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة ، والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين ، إذ لم يرد تحديد الممسوح ، وتزيله قراءة النصب ، كما ذكرنا : فإن قيل قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفا على المحل ؛ لأن الرؤوس مجرورة بالباء في محل نصب على حد قول ابن مالك في الخلاصة :

--> ( 1 ) السنن الكبرى ، كتاب الطهارة 1 / 70 ، 72 .